Ad

الجمعة، 26 يناير 2018

الجمعة، 26 يناير 2018

الثرات المنسي : الأحـكام العرفية المشتركة عند قبائل أيت عطا و أيت حديدو


بقايا دوار إملوان القديم الذي كان يحتضن المحكمة العرفية
تعتبر قبيلة أيت حديدو من القبائل المشكلة لحلف أيت يفلمان والذي تمتد مكوناته عبر جبال الأطلس الكبيرالأوسط وصولا إلى أجزاء من واحات فركلة وتافيلالت،وقد اشتهرت هذه القبيلة خلال العقود الأخيرة بموسم إملشيل الذي سرت عليه الكثير من المغالطات لعل أخطرها الإدعاء بكونه سوقا تباع فيه النساء وتشترين،في حين أنه مناسبة فقط للإحتفال بشكل جماعي بالأعراس وتخصيص وقت موحد لها.
وهذه القبيلة التي عرفت ببسالتها في مقاومة الإستعمار الفرنسي عبر عدة معارك أبرزها معركة "بادو" التي خاضتها إللى جانب باقي قبائل أيت يفلمان،وبادو جبل قرب أسول حيث ضريح الولي الصالح"سيدي أبي يعقوب"،هذه القبيلة شكلت مجالا خصبا للباحثين الأوروبيين وكذا بعض الموظفين في الإدارة الإستعمارية الذين كتبوا ودونوا ما شاهدوه من تقاليد وأعراف وتراث ثقافي،كما هو الشأن أيضا بالنسبة لباقي مكونات أيت يفلمان مثل أيت مرغاد،وأيت ازدك وأيت يحيا وأيت صغروشن،فضلا عن اتحادية أيت عطا المكونة من خمس أخماس والتي خصص لها الباحث دافيد هارت،كمثال، كتابا خاصا(دادا عطا وأبناؤه الأربعون)،وقد قام العديد من الطلبة المنحدرين من منطقة الجنوب الشرقي بعدة أبحاث جامعية قيمة سلطت الضوء على مختلف مناحي الغنى الثقافي والأنتروبولوجي لمختلف قبائل واحات دادس وتودغة وأسيف ملول،لكن أغلبها –حسب ما اطلعت عليه شخصيا-ركز على التراث الشعري والغنائي والفلكلوري وكذا الجانب السياسي المتمثل في الصراعات الأفقية بين تلك القبائل الأمازيغية فيما بينها حول المراعي ومصادر المياه،وكذا صراعها العمودي مع السلطة السياسية نظرا لكون أغلب تلك القبائل كانت تستقر بمجال ما كان يعرف ببلاد السيبا..
ولعل أبرز جانب من الحياة الإجتماعية والثقافية لقبائل أيت عطا وأيت يفلمان كان قوانينهم العرفية التي نظموا بها أنفسهم في غياب السلطة السياسية-الدولة- القادرة على تنظيم ذلك.وسأتحدث خلال هذه الأسطر عن قبيلة أيت حديدو بحكم ما جمعته من روايات شفوية و كذا بعض المراجع التاريخية،فضلا عن انتمائي لهذه القبيلة وهذه إشارة جانبية فقط أتمنى ألا يفهم منها كونها نابعة من أي حمية عصبية فالجميع أبناء وطن ودين واحد.
لقد كانت الحياة القانونية لدى أيت حديدو جانبا غنيا من جوانب الغنى الأنتروبولوجي لدى هذه القبيلة(عادات الزواج،الشعر،الأساطير،الحكايات،بعض الطقوس والعادات...)ولاتزال المصطلحات التي تشكل الجهاز المفاهيمي لتلك القوانين العرفية على ألسن الناس إلى اليوم رغم أن المحاكم العرفية ألي العمل بها على مستوى الشكل مع حلول الإستعمار الفرنسي سنة 1933،لكن التقاضي بقي مستمرا بمضامينها القانونية عن طريق "لجماعت" أي الجماعة من شيوخ الدواوير الذين يستشيرهم الحاكم الفرنسي.وقد كان مركز تلك المحكمة العرفية لقبيلة أيت حديدو بدوار إملوان المتواجد حاليا بنفوذ جماعة تلمي قيادة امسمرير،كما هو شأن محكمة إغرم أمزدار بصاغرو التي احتضنت محمكة قبائل أيت عطا،ولازال دوار إملوان إلى اليوم دوارا صغيرا يتكون من سبعة "كوانين" فقط،بينما كان عدد الأسر في الفترة التي أسند لهم فيها شأن الفصل بين الناس لا يتجاوز ثلاثة أسر،ويرى بعض الباحثين أن هذه القلة هي السبب في إسناد أمر القضاء إليهم حتى لا يسند لدوار كبير يجعله يزداد قوة ونفوذا،ولازال سكان إملوان إلى اليوم يدعون "بأيت تعقيد" وهو الإسم الذي كان يطلق على محكمتهم"تعقيد أو تعقيط"،وربما جاءت هذه التسمية من الفعل "عقد" حيث أن الفقهاء والطلبة القدامى وشيوخ الزوايا كانوا يكتبون العهود والعقود باللغة العربية الفصحى،وربما كانت وثيقة عقد تكليف إملوان بالقضاء وراء تلك التسمية عقد=تعقيد.ورغم شيوع مصطلح تعقيد إلا أن هناك مصطلحات أمازيغية لا زالت على الألسن إلى اليوم مثل: إزرف،و أمزارفو...وإمكيلان وهم الذين يحلفون قرب ولي يدعى سيدي سعيد لازال قبره موجودا إلى اليوم بمقبرة إملوان القريبة من تلك المحمة،ويكون القسم قرب هذا الولي لجعل المقسم يخاف "تونانت" أي لعنة ذلك الولي فلا يكذب في شهادته.
ومن الأمور العجيبة في بناية هذه المحكمة وجود سجن يسمى سجن أوختال"لحبس نوختال"،وهو عبارة عن حفرة تكون بطول قامة الرجل وتغطى بحجرة كبيرة"إفليلو"،وتوجد بها منافذ توفر الهواء،ولم يبق من هذا "السجن" اليوم إلا اثار تلك الحفر..وبالرجوع لوثيقة "تعقيد" فقد أخبرنا بعض الشيوخ من هذا الدوار أنها مكتوبة على جلد غزال يتوارثها الأكبر سنا فالأكبر،وقد كانت في أواخر التسعينات لدى شخص يسمى يدير.ق.وبعد وفاته رحمه الله لم يعلم مصيرها،علما أنهم لم يكونو يكشفونها لأحد.
وسوف نعرض فيما يلي بعض بنود تلك الوثيقة كما استقينا بعضها من الرواية الشفوية، إضافة إلى بعض المراجع التاريخية الإستعمارية التي وتقت لتلك البنود،إضافة إلى مقال للأستاذ عدي السباعي ترجم خلاله تلك الأحكام ونشرها بجريدة "أكراو أمازيغ"عدد03فبراير1996،ويمكن تصنيف بعض تلك القوانين حسب المجالات التالية:
*مجال العقار والبناء:
-ليس بإمكان أي أحد أن يبني بحيث يحجب الشمس عن أحد جيرانه.
-كل من اشتكى من ضياع أرض منه ولم يتقدم بشكاية إلا بعد بدء من أخدها منه في البناء بوضع "اللوح الأول"لاتقبل منه شكاية.
-كل منزل يسع عائلتين يجب تقسيمه شريطة وجود سلمين منفصلين لصعود من يبلغ سن الرشد.
*الأحوال الشخصية:
-المرأة التي ترغب في مغادرة بيت زوجها وهي بكامل قواها العقلية لاحق لها في ممتلكات البيت إلا في حالة الحمل.
-صداق البكر ريال،أما الثيب فنصف ريال مع "تكنبوشت"مليئة بالحناء ,وأحدية مليئة بالحناء.
كل زوج يطلق زوجته يكون ملزما بأن يدفع لها ثلاثة أمدد من الشعيركل شهر وأوقيةسمن وأحذية لمدة ثلاثة أشهر من فترة العدة،أما إدا قضت الزوجة عاما كاملا في خدمة زوجها فيدفع لها صوف الخروف لصنع حزامها"تسمرت"،وكدا "تحنديرت" أو "تحرويت".
*الجنح والجنايات:
-كل من سرق بغلة ملزم بدفع فرنك عن كل ليلة لصاحبها وتتضاعف الغرامة في حالة البقرة.
-من دخل بيتا بنية السرقة يدفع خمس ريالات عن كل غتبة باب يلجهاو100ريال عن كل خيمة.
-يمنع تعرية النساء.
-غرامة النساء فيما يخص الجروح والكسور تضاعف غرامة الرجال.
-غرامة من كسر عظم غيره حتى النخاع 100ريال.
-من جرح شخصا بسكين أو غيره يدفع 10ريال.
-من فقأ عين شخص يدفع نصف الدية.
-من فقأ العينين يدفع الدية كاملة.
هذه بعض البنود فقط،علما أن هناك أعرافا كثيرة غير مكتوبة تنظم الرعي بالمراعي،وكذا نظام الري والسواقي والعلاقات المختلفة ك "تاضا" و"تافركانت"وغيرها.
إن هذا الثرات حقا في حاجة إلى حفظه وإحيائه،وقد ارتأيت أن أقدمه لقراء موقعنا المحترم بومالن-أنفو خلال هذه الأيام التي تعرف تنظيم موسم إملشيل لعله يكون تنويرا للقارئ حول جوانب ثقافية واجتماعية من تراث قبائلنا بالجنوب الشرقي.

محمد ابن تيزى

ليست هناك تعليقات:

لا تقرأ وترحل ضع بصمتك

جميع الحقوق محفوظة لــمدونة : مدونة أيت عطا 2018 ©